السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
106
أصول الفلسفة
الوجود على نحو التساوي ( الوجود / المادّة ) . 2 - التكامل والتحوّل ذاتيان للمادّة لا ينفكّان عنها . 3 - المادّة الخارجية لا تسكن عن الفعل والانفعال ، يؤثّر بعضها في بعض ، ويتأثّر كذلك ولا تسكن عن التفاعل آناً ما . وقد استنتج المادّيون من هذه الأُصول أنّ التفكير أمر مادّي لا يخرج عن حيطة المادّة وشؤونها ( وجه الاستنتاج ) أنّ الباحث المادّي إذا قصر دائرة الوجود على المادّة نافياً غيرها ، فلا باعث لأن يتطلّب وجوداً غير مادّي في باب الإدراك ، وإذا انضم هذا إلى أصل آخر قبله المادّي والإلهي ، من أنّ عالم المادّة لا مفارقة بين أجزائه ، يتفاعل بعضها مع بعض بلا انقطاع ، أنتج الأصلان النتيجة التالية : الصورة العلمية والمفاهيم الذهنية عين الآثار الواردة إلى الأعصاب المدركة لأجل تأثّرها عن خارجها وسيوافيك تحقيق الحال في الأصلين إن شاء اللَّه . المادّي ينفي ثبات المفاهيم وكلّيتها ودوامها : يعتقد المادّيون امتناع اتصاف مفهوم تصوّري ، بالكلّية والثبات والإطلاق كما أنّ القضايا التصديقية عندهم كذلك ، لا تتّصف بالكلية والإطلاق والدوام « 1 » فالمفاهيم المفردة عامّة ، والقضايا التصديقية جميعاً كلّها
--> ( 1 ) . من التقسيمات الدارجة في فن المنطق ، تقسيم القضية باعتبار جهتها - أعني : كيفية ثبوت المحمول لموضوعه - إلى الضرورية والممكنة ، والدائمة واللادائمة إلى غيرها ممّا حرّر في محلّه . ومعنى كون النسبة دائمية انّ موضوعها متّصف بمحمولها في جميع الأزمان غير مفترق عنها في حال ، كالحركة الدورية للفلك عند الأغارقة ، وكون العالم متحركاً بالحركة الجوهرية عند صدر المتألهين ، فانّ العالم عنده فلكيها وأثيرها كلّها متغيرة جوهراً وذاتاً على وجه الدوام . نحن لا نصافق القوم فيما مثّلوا به فعلًا ، غير انّا نقول : إنّ التقسيم الدارج فيما بينهم ، تقسيم صحيح منطبق على الحقائق الخارجية وإن زعم المادّيون إنّ العلم قد قضى نهائياً على مثل هذه الكليّات في الأحكام فقالوا : إنّ تقسيم القضايا إلى الدائمية أو الضرورية ، لا يبتنى على أساس رصين فإنّ المفاهيم الذهنية لا تشذ حكماً وموضوعاً عن المادّة وأحكامها والصور العلمية الذهنية ، أُمور مادّية متكوّنة في الأذهان البشرية ، وتأثّر المادّة بعضها عن بعض حكم ضروري لها ما دامت المادّة مادّة ، والتأثير والتأثّر يستتبعان التغيّر والانفعال ، وعلى ذلك لا يبقى مفهوم من المفاهيم الذهنية على حالته الأُولى ، بل يتغير حسب تغير المادّة الذي لا مناص عنه . قالوا : القضايا الذهنية إنّما هي تصاوير المادّة الخارجية ، فهي لم تزل متغيرة متبدّلة فلا منتدح عن كونها كذلك ، إذ الصور الثابتة لا يعقل أن تكون حاكية عن الأُمور المتبدّلة والروابط الخارجية المتصرّمة ، فالاعتقاد بدوام القضايا وثباتها من زلّات المنطق الموروث من أرسطو . قلت : سيوافيك القول بأنّ ما ذكره المادّيون من تجدّد المادّة وتصرّمها وتغيّرها وتبدّلها ، أمر لا سترة عليه ، وقد حقّقه الفلاسفة الإسلاميون قبل قرون غير انّه لا يستلزم تغيّر الصور الذاتية وتبدّلها بتبدّلها ، لما سيوافيك انّ القوى المدركة وصورها العلمية أُمور مجرّدة غير حالة في المادّة كل ذلك بالبراهين الواضحة . غير انّا نلفت نظر القارئ إلى التناقض الواضح في كلام المادّيين فهم حينما ينكرون دوام القضايا وامتناعه يعترفون بدوام قضية واحدة وهي : انّ المادة متغيّرة متحركة دائماً فهذا اعتراف منه على خلاف ما يرتئيه . قال الدكتور « أراني » في رسالته « المادّية الديالكتيكية » ( 1 ) : « إنّ الثبات والجمود من الأُمور النسبية والحركة والتغيّر في المادّة أمر دائمي غير محدود » وهكذا تراه ينادي بدوام الحركة للمادّة وعندئذ لا فرق بينه وبين الإلهي المعتقد بدوام القضايا وثباتها غير انّ المادي مثل للقضية الدائمية بالحركة المطلقة ، والإلهي بالحركة الفلكية . هلمّ معي نحاسب الأُصول التي اعتمد عليها المادّي في فلسفته المادّية المتحوّلة التي منها : تبدّل المادة وتغيّرها ، واجتماع الضدّين في الموجودات المادّية ، وتأثير المادّة بعضها في بعض ، ونحن نسأل القوم هل هذه الأُصول صحيحة على وجه الدوام أو لا ؟ فإن قالوا بالأُولى ، فقد أثبتوا ما يرتئيه الحكيم الإسلامي ، حينما هو بصدد ردّه ، وان اختار الثانية فهذه الأُصول مؤقتة الصحة ، محدودة الصدق لا تليق أن تتخذ أُصولًا أوّلية لتفسير حوادث الكون وكشف نواميسه ( 1 ) . ثمّ إنّ المادّي استدلّ على بطلان الدوام في القضايا بوجهين : الأوّل : ما أوضحناه آنفاً ، وحاصله : أنّ القضايا الذهنية انّما هي صور عن الطبيعة والمادّة الخارجية بما فيها من الروابط ، وبما انّ تلك الروابط زائلة غير ثابتة دائماً ، فصورها العلمية تتبع واقعها الخارجي وقد وافاك انّ تلك البرهنة تبطل نفسها ، فإنّ المادّي قد أثبت في بيانه هذا انّ في عالم المادّة ، قضايا دائمية : منها كون تلك المفاهيم الذهنية تصاوير الأُمور دائماً ، ومنها كون المادّة متغيّرة الذوات ، متبدّلة الروابط دائماً إلى غير ذلك . الثاني : انّ المفاهيم الذهنية ، أجزاء من الطبيعة محكومة بحكمها فالصورة الذهنية من القضية الخارجية ليست لها واقعية غير انّه جزء من البدن الإنساني وقطعة من الدماغ ، وهذا الجزء مع ماله من نعت الكشف عن الروابط الخارجية ، لا يشذ موضوعاً وحكماً عن المادة فعالم الطبيعة بشراشره متبدّل ومتغيّر غير ثابت ، ومعه كيف يمكن الإذعان بثبات قضية ، أو جمودها فإنّ المفهوم الذهني قد أحاطت به أحكام المادّة من التغيّر والتحوّل . هذا هو الحجر الأساسي لإنكارهم العوالم الروحانية والأرواح المجرّدة من المادّة وآثارها . وهلمّ معنا نوقفك على حقيقة الحال : لو كانت المفاهيم الذهنية الواردة على القوى الإدراكية من ناحية الطبيعة الخارجية المتغيّرة ، متغيّرة في الذهن مثلها ، ومتبدّلة آناً بعد آن ، لزم عدم ثبات مفهوم واحد من القضايا بحالته الأُولى ، ويكون المدرك في الآن الثاني ، غيره في الآن الأوّل ، وهو مخالف للوجدان . فالصور الحاصلة من قيام زيد في أذهاننا ومراكز تفكيرنا لو تغيّرت غبّ آن دركها وتحوّلت بعد أخذ الذهن ، لزم امتناع بقاء العلم بواقعة خاصة بعد مضي آن الإدراك هذا . من غير فرق بين أن تتحوّل إلى صورة مثلها أو إلى ضدّها وإن كان الفساد في الثاني أكثر . وإن شئت قلت : إنّ الروابط الحاكمة على الطبيعة الخارجية لم تزل تتبدّل إلى حالة أُخرى حسب ما برهنت عليه العلوم فلو عطف المادّي كل المفاهيم الذهنية عليها ، لزم تبدّلها بتبدّل آن بعد آن ، مع أنّا نجد خلافه وجداناً ، فلنمثّل بأوضح الواضحات ، كل إنسان منّا يجد في أوّليات حياته انّ اليوم متأخر عن أمسه ، وهو متقدّم على غده ، يجد صدق ذلك على وجه الدوام مدى الدهور والأيام . فلو تبدّلت تلك الصورة العلمية إلى صورة تعدّ ضداً لسابقتها ، بأن يتبدّل قولنا : اليوم متأخّر عن أمسه ، إلى نقيضه وإنّه متقدّم عليه ، لزم عدم صدق واحد من الآراء في غير الآن الذي أدركه وفهمه ، وان تبدّل إلى صورة تعد مثيلة لها على نحو تجدّد الأمثال ، فهو خلاف الوجدان وسيوافيك تفصيله في المقالة الرابعة . ( بقي الكلام في معنى الإطلاق ) والمراد منه ضد النسبية وسيوضح المراد منه في رابع المقالات عند البحث عن قيمة علومنا وإدراكاتنا ، وسنبرهن فيها انّ القضية المدركة لا تفارق خارجها من حيث الماهية ، وبما له من الحدود والقيود ، وانّ هنا أمراً واحداً ، ربّما يتمثل بوجوده الخارجي وآخر بوجوده الذهني ، هذا هو معنى الإطلاق . وأمّا النسبية فهي تضاد الإطلاق ، ومجملها : انّ الحقائق لا ينالها الإنسان بما لها من الصرافة والإطلاق ، فانّه لا ينال حقيقة من الحقائق ، إلّا بجهازات بدنية ، من سمعه وبصره وعصبه ، ولكلّ من هذه الآلات تأثير خاص فيما يرد إليه من المسموعات والمبصرات ، وكذا الأعصاب الإدراكية بل ليس حقيقة الإدراك إلّا تأثّر القوى الإدراكية من المادّة الخارجية ، فعندئذ فما يصل إلينا ، ليس نفس الخارج بلا تصرّف فيه ، بل الخارج المتلوّن بلون آلة الإدراك ، فالحقائق الذهنية وليدة هذه الآلات والأجهزة ، تتبع في كيفيتها ، كيفية أعصاب المدرك وأجهزته الظاهرة . فمعنى كون إدراكنا حقيقة ، انّه حقيقية بالنسبة إلى هذه الشرائط الزمانية والمكانية وكيفية أجهزة الإدراك لا انّه حقيقة مطلقاً ، سواء لوحظت هذه الشرائط أم لم تلحظ ، ولأجل ذلك تتجلّى تلك الحقيقة في مورد آخر بصورة أُخرى ، لاختلاف شرائطها . هذه صورة مجملة من النسبية ، وسنرجع إليها في رابع المقالات . وأمّا الضرورة والإمكان فاطلب الغاية منهما من الكتب المنطقية . - 1 - MATERIALSME DIALECTIQUE . 2 . وإن شئت قلت : إنها أُصول ابتدعها الجو الاقتصادي في القرن العشرين ، وسوف تتبدّل بأُصول أُخرى ، حسب تبدّل الجو الاقتصادي ، فانّ المادّي لم يزل ينادي بأنّ التفكير الإنساني وليد جوّه الاقتصادي ، فعلى ذلك لو تبدّل الوضع الانتاجي إلى صورة أُخرى لتبدّل التفكير الإنساني غير هذه الصورة . فانظر ماذا ترى ، كيف أسقط عامة أُصوله عن الاعتبار . ( المترجم )